ابن قيم الجوزية

154

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) [ مريم ] وقال في الطرف الآخر فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ( 13 ) [ المائدة ] وقال وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ( 25 ) [ الأنعام ] وهذه الأكنّة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا . والتحقيق أنّ هذا ناشئ عن الأكنة والوقر ، فهو موجب ذلك ومقتضاه ، فمن فسّر الأكنة والوقر به ، فقد فسرهما بموجبهما ومقتضاهما ، وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من أفعالهم ، وهي مجعولة للّه سبحانه ، كما أنّ الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم ، واللّه جاعله ، فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإراداتها واعتقاداتها ، فذلك كله مجعول مخلوق له ، وإن كان العبد فاعلا له باختياره وإرادته . فإن قيل : هذا كله معارض بقوله تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ( 103 ) [ المائدة ] والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجعل العباد لها ، فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجعله . قيل : لا تعارض - بحمد اللّه - بين نصوص الكتاب ، بوجه ما ، والجعل هاهنا جعل شرعيّ أمريّ ، لا كونيّ قدريّ ، فإنّ الجعل في كتاب اللّه ينقسم إلى هذين « 1 » النوعين ، كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم ، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه . فنفى سبحانه عن البحيرة والسائبة جعله الدينيّ الشرعي ، أي : لم يشرع ذلك ، ولا أمر به ، ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب ، وجعلوا ذلك دينا له بلا علم ، ومن ذلك قوله تعالى : لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي

--> ( 1 ) تحرفت في المطبوع إلى : « هذه » .